خليل الصفدي
377
أعيان العصر وأعوان النصر
قعص ضربه آخر من قدّامه على صدره . ولكنّ عفّته عن مال السلطان مفرطة إلى الغاية ، وتشدّد على من يخون عن خارج الحد ، حكى لي أنه جاء إليه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب وهو في الوجاهة والعظمة عند السلطان ما هو ، فقام ؛ لتلقّيه وجلس بين يديه ، وقال : ارسم يا خوند ! قال : هذا الكاتب صاحبي ، فشفّعني فيه واستخدمه في الوظيفة الفلانية ، فقال : السمع والطاعة كم في هذه الوظيفة في كل شهر ، قال ذلك الكاتب : مائة وخمسون درهما وثلاثة أرداب قمحا ، فقال لصيرفي عنده : اصرف لهذا في كل شهر مائة وخمسين درهما ، ويجيء إلى الشونة في كل شهر ، ويأخذ هذه الأرداب ، فقال الكاتب : ما أريد إلّا هذه الوظيفة ، فقال كريم الدين : حتى تعلم يا خوند أنه لصّ ، وما يريد المعلوم ما يريد إلّا السرقة ، فاستحيا الأمير ومضى . ولمّا أمسك كريم الدين أمسك كريم الدين الصغير ، وكاد العوام والناس يقتلونه ، وأثبت القضاة فيه محاضر ، منها ما هو بالكفر ، ومنها ما هو بقتل النفوس ، فرأى السلطان أنه ذاهب لا محالة ، فقال : إذا قتل هذا ممن آخذ أنا مالي ، اصبروا إلى أن نأخذ مالنا منه وتسلّموه أنتم ، ثم إن السلطان سلّمه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي « 1 » ، وبقي عنده مديدة ، ثم إنه أخرجه إلى صفد ناظرا ، فجاء إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، وضبطها وحصّل أموالها ، ثم إنه ورد المرسوم بإمساكه فأمسك ، وضربت الحوطة على موجوده ، ثم طلب إلى مصر ، وذلك في سنة أربع وعشرين وسبعمائة . ثم إنه جهز إلى دمشق ناظرا عوضا عن الصاحب شمس الدين ، فوصل إليها في الثالث عشر من شوال من السنة ، فكرهه الأمير سيف الدين تنكز أول حضوره ؛ لما كان يبلغه عنه ، ولما باشر عنده ، ورأى عفّته وتنفيذه وحسن مباشرته ، أحبّه ومال إليه ميلا كلّيا ، ثم إنه طلب فخافه ، وخرج عليه ليلة وهو خارج من الحمام جماعة بسيوف ؛ ليقتلوه ، فداسهم بفرسه ، وضرب بدبّوسه إلى أن خلص منهم بكتفه وهو بمفرده ، ثم عملوا عليه ، فرسم له بالتوجّه إلى أسوان ، وجهز في البحر ، فأغرق فرعونه في اليم ، وخسف عمر بدره في التم ، وكان ذلك في أواخر سنة ست وعشرين وسبعمائة . وكان مدبّرا مصرّفا ، مجمّلا للمناصب مشرفا ، كاتبا ضابطا مقسطا لا قاسطا ، ذا مهابة وسطوة ، ورفعة عند الملوك وحظوة ، شديد الانتقام ، تصحّ بمباشرته الأسقام ، وتتوفر السهام والأقسام ، ويريح قلب السلطان بمرض الأقلام والأجسام ، لا يحابي أحدا ولا يحاشيه ، ولا يراعي من هو من الزامه أو حواشيه ، يود الكاتب الخائن أن يرى ملك الموت
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .